الناموس والحياة في المسيح
nav
search
globe
monitor
monitor
globe
arrow left

خيارات متقدمة للبحث

إضافة أو حذف أو تحرير مصطلحات البحث:

أي من هذه الكلمات
كل هذه الكلمات
عبارة محددة
Select resource types:
أسئلة وإجابات
فيديو
يجب أن تعرض النتائج:
تفاصيل كاملة
أسماء الكاتب فقط

  Share

الناموس والحياة في المسيح

السؤال:
كيف يجب لنا نحن أتباع المسيح أن نتعامل مع الناموس في العهد القديم؟ وما هي أقسام الناموس؟
الإجابة:
أولاً: من المهم أن ندرك أن الله هو مصدر الناموس. هو من أعطى الناموس لشعبه في القديم. وهذا الناموس يعكس طبيعة الله وما يطلبه من شعبه. لذلك يصرّح بولس قائلاً: "‎إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ، وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ" (رومية 7: 12). بدأ الإعلان عن هذا الناموس في وصية الله لآدم وحواء في جنة عدن، وتم الإعلان التدريجي لهذا الناموس عبر تاريخ الفداء إلى أن وصل هذا التاريخ إلى ذروته في شخص وعمل المسيح.

ثانياً: لم يكن القصد مطلقاً من إعطاء الناموس أو الشريعة أن يكون طريقاً من خلاله يمكن للإنسان أن ينال الخلاص. فالخلاص هو دائماً وأبداً بفضل موت المسيح وقيامته (عمله الكفاري) وذلك منذ سقوط الإنسان. نال المؤمن في العهد القديم هذا الخلاص من خلال الإيمان بالوعد بمجيء مخلص ومن خلال معاينته لبعض صور وأشكال هذا الفداء متمثلا في نظام الذبائح الحيوانية. أعطى الله الناموس لشعبه في البرية بعد أن فداهم من أرض العبودية في مصر. فنعمة الله دائماً تسبق أي عمل يُطالب به الإنسان.

ثالثاً: يقسّم علماء الكتاب المقدس في العهد القديم الناموس إلى ثلاثة فئات أو أنواع مختلفة. فهناك الناموس الطقسي أو الذبائحي المتعلق بتقديم ذبائح حيوانية مختلفة طبقاً لنظام محدد ودقيق وشامل أعلنه الله للشعب في القديم. هناك الناموس الأدبي أو الأخلاقي وهو الذي يتعلّق بالسلوك والأخلاق التي ينتظرها الله من شعبه في شركتهم معه وحياتهم العمليّة مع بعضهم البعض ومع باقي الشعوب. وأخيراً هناك الناموس المدني وهو المتعلّق بترتيب شؤون مملكة إسرائيل من حيث الأحكام المدنيّة والشرائع القانونيّة المتعلّقة بالمملكة ونظام الحكم المدني فيها. يصعب تحديد فواصل واضحة بين فئات الناموس هذه. فلم يكن قصد الله من البداية أن يقسّم الناموس إلى هذه الأقسام التي من خلالها يجب على الشعب أن ينظر للناموس.

رابعاً: كان الهدف الأسمى للناموس هو إعداد البشريّة متمثّلة في شعب إسرائيل لمجيء المسيا المخلص. لذلك يقول بولس في غلاطية 3: 24 "‎قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ." وكلمة "مُؤَدِّبَنَا" تعني "المعلم، المرشد، الحارس الأمين". أي أن الناموس خدم الشعب في القديم كمرشد لهم في حياة الإيمان إلى أن جاء المسيح وحقق في شخصه وعمله ما كان يشير له الناموس. فالناموس لم يكن الغاية في حد ذاته. بل غاية الناموس هي المسيح. لذلك يقول بولس "لأَنَّ غَايَةَ النَّامُوسِ هِيَ: الْمَسِيحُ لِلْبِرِّ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ" (رومية 10: 4). وكلمة "غاية" تعني "الهدف النهائي، الغرض، النتيجة النهائية". فالناموس إذا كان له دور محدد في الإعلان عن شخص وعمل المسيح.

خامساً: بتجسد المسيح قد أبطل الناموس الطقسي أو الذبائحي حيث حقق في نفسه ما كانت تشير له الذبائح. فالذبائح التي كانت تُقدم في عصر الناموس لم تكن تغفر الخطايا في ذاتها وإنما كانت صورة رمزيّة مرئيّة لرجاء أبعد منها بكثير في غفران الخطايا من خلال المخلص البديل والنائب عن شعب الله (عبرانيين 10: 11، قارن عبرانيين 9: 9). وبالتالي كشعب للمسيح اليوم، لسنا مطالبين بتقديم ذبائح حيوانيّة لأن ذبيحة المسيح كافية، ونهائيّة، ولا تتكرر (عبرانيين 9: 12، 25، 13: 12).

سادساً: أما فيما يتعلّق بالجانب الأدبي أو الأخلاقي في الناموس، فنحن كشعب المسيح مطالبين بأن نحيا وفق هذه الشرائع. أطاع المسيح الناموس كاملاً في حياته وبموته وقيامته. وبالتالي نحن بروح المسيح نتقوّى لطاعة الناموس ليس بهدف نوال استحسان الله أو رضاه (فهذا لم يكن مطلقاً الهدف من الناموس في الأساس) ولكن بهدف تقديم الشكر من القلب على عمل المسيح من أجلنا. فطاعتنا للناموس تعكس محبتنا للمسيح. نحن نطيع الناموس ونحن متحدين بالمسيح. ولا يوجد مقابلة أو تضاد بين ما علمه المسيح على الموعظة على الجبل (على سبيل المثال) وبين ما أعلنه الله لشعبه في القديم من قوانين تختص بأخلاقيّات الحياة في ملكوت الله. لم يأتي المسيح لينقض الناموس (متى 5: 17) بل "ليكمل" الناموس، بمعنى "ليتمم ويحقق" الهدف أو الغاية من الناموس، وهو إعلان بر الله وقداسته في تعامله مع البشر الخطاة من خلال معاقبته للخطية ورحمته لشعبه التي تظهر في نظام الذبائح الذي يسمح بقبول الخاطئ أمام الله القدوس.

سابعاً: فيما يتعلّق بالجانب المدني من الناموس، يمكن لكنيسة المسيح أن تستخلص مبادئ هامة في إدارتها باعتبارها النموذج الروحي لملكوت الله على الأرض. كذلك يمكن للدول والممالك البشريّة أن تتعلّم من تلك الشرائع فيما يختص بالدساتير المدنيّة والقوانين الدوليّة. سيأتي الوقت الذي فيه يملك الله على شعبه في المسيح كملك أبدي وفق قوانين شرائعه المقدسة بكامل سلطانها في الأرض الجديدة والسماوات الجديدة.

ثامناً: على عكس ما يظن الكثيرين، لم يكن الناموس مهتما بالمظاهر في مقابل النعمة التي تعمل في الدخل، ولم يكن الناموس يركز على السلوك في مقابل النعمة التي تركز على الإيمان. بل كان هدف الناموس هو أن يحب الإنسان الله من كل قلبه ويعبر عن هذا الحب من خلال طاعته لوصايا الرب (تثنية 10: 12–13). كذلك ركّز الناموس على ختان القلب (تثنية 10: 16، 30: 6، إرميا 4: 4، قارن أعمال الرسل 7: 51). فالناموس ليس ضد النعمة ولم يكن الهدف وضع الواحد في مقابل الأخر. في العهدين وطوال تاريخ الفداء كانت نعمة الله تعمل في قلب الإنسان لكي يتمكّن من طاعة أحكام ووصايا الرب كتعبير عن شكر الإنسان لنعمة الله.

تاسعاً: أخيراً، بالنظر لكل الكتاب المقدس، يمكن استخلاص ثلاثة استخدامات رئيسيّة للناموس. 1) الهدف الأول للناموس هو أن يكون مرآة يعكس بر الله الكامل. فالناموس يخبرنا عن شخص الله وقداسته كما يكشف عن خطية الإنسان وفساده. 2) يضبط الناموس من جماح الشر في العالم. فهو يحفظ الأبرار من الظلم ويدعم العدل والمساواة. 3) يعلن الناموس ما هو مرضي بالنسبة لله وما هو مرفوض أمامه. فهو وسيلة يستخدمها شعب الله لتقديم المجد له.

أجاب على هذا السؤال: د. ق. شريف جندي

الدكتور القس شريف جندي هو مدير قسم الإنتاج العربي في خدمات الألفيّة الثالثة. وهو حاصل على ماجستير في العلوم اللاهوتيّة (.M.Div)، وماجستير في الدراسات الكتابيّة (MAR)، والدكتوراه في فلسفة اللاهوت (.Ph.D) لعلم التفسير الكتابي في تخصّص العهد القديم.